الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

351

تفسير روح البيان

أفضل الكتب الإلهية وهذه الأمة المرحومة أفضل جميع الأمم السابقة وفي التأويلات النجمية اى الذي ذكر من الظالم مع السابق في الايراث والاصطفاء ودخول الجنة ومن دقائق حكمته انه تعالى ما قال في هذا المعرض الفضل العظيم لان الفضل العظيم في حق الظالم ان يجمعه مع السابق في الفضل والمقام كما جمعه معه في الذكر جَنَّاتُ عَدْنٍ يقال عدن بمكان كذا إذا استقر ومنه المعدن لمستقر الجواهر كما في المفردات اى بساتين استقرار وثبات وإقامة بلا رحيل لأنه لا سبب للرحيل عنها وهو اما بدل من الفضل الكبير بتنزيل السبب منزلة المسبب أو مبتدأ خبره قوله تعالى يَدْخُلُونَها جمع الضمير لان المراد بالسابق الجنس وتخصيص حال السابقين وما لهم بالذكر والسكوت عن الفريقين الآخرين وان لم يدل على حرمانهما من دخول الجنة مطلقا لكن فيه تحذير لهما من التقصير وتحريض على السعي في ادراك شؤون السابقين وقال بعضهم المراد بالأصناف الثلاثة الكافر والمنافق والمؤمن أو أصحاب المشأمة وأصحاب الميمنة ومن أريد بقوله تعالى ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) أو المنافقون والمتابعون بالإحسان وأصحاب النبي عليه السلام أو من يعطى كتابه وراء ظهره ومن يعطى كتابه بشماله ومن يعطى كتابه بيمينه فعلى هذه الأقوال لا يدخل الظالم في الجنات لكونه غير مؤمن وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء في الخلقة وإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب والأول هو الأصح وعليه عامة أهل العلم كما في كشف الاسرار قال أبو الليث في تفسير أول الآية وآخرها دليل على أن الأصناف الثلاثة كلهم مؤمنون فاما أول الآية فقوله ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ) فأخبر انه اعطى الكتاب لهؤلاء الثلاثة واما آخر الآية فقوله ( يَدْخُلُونَها ) إذ لم يقل يدخلانها - وروى - عن كعب الأحبار انه قيل له ما منعك ان تسلم على يدي رسول اللّه عليه السلام قال كان أبى مكننى من جميع التوراة إلا ورقات منعني ان انظر فيها فخرج أبى يوما لحاجة فنظرت فيها فوجدت فيها نعت أمة محمد وان يجعلهم اللّه يوم القيامة ثلاثة أثلاث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ويدخلون الجنة وثلث تشفع لهم الملائكة والنبيون فأسلمت وقلت لعلى أكون من الصنف الأول وان لم أكن من الصنف الثاني أو من الصنف الثالث فلما قرأت القرآن وجدتها في القرآن وهو قوله تعالى ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ) إلى قوله ( يَدْخُلُونَها ) وفي التأويلات النجمية لما ذكرهم أصنافا ثلاثة رتبها ولما ذكر حديث الجنة والتنعم والتزين فيها ذكرهم على الجمع ( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) الآية نبه على أن دخولهم الجنة لا باستحقاق بل بفضله وليس في الفضل تميز فيما يتعلق بالنعمة دون ما يتعلق بالمنعم لان في الخبر ( ان من أهل الجنة من يرى اللّه سبحانه في كل جمعة بمقدار أيام الدنيا مرة ومنهم من يراه في كل يوم مرة ومنهم من هو غير محجوب عنه لحظة ) كما سبق يُحَلَّوْنَ [ التحلية : با زيور كردن ] اى يلبسون على سبيل التزين والتحلي نساء ورجالا خبر ثان أو حال مقدرة فِيها اى في تلك الجنات مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ من الأولى تبعيضية والثانية بيانية . وأساور جمع أسورة وهو جمع سوار مثل كتاب وغراب معرب « دستواره » والمعنى يحلون بعض أساور من ذهب لأنه أفضل من سائر افرادها اى بعضا سابقا لسائر الأبعاض